كشفت بيسان كساب وثائق غير منشورة تؤكد أن المفوضية الأوروبية مضت في صرف الشريحة الثانية من قرضها لمصر، رغم إقرارها بوجود تحديات كبيرة تتعلق بالديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان، لتثير بذلك تساؤلات حول مدى التزام الاتحاد الأوروبي بشروط التمويل التي تربط تقديم المساعدات الاقتصادية بإحراز تقدم ملموس في هذه المجالات.

 

وقالت في مقالها المنشور على موقع المنصة أن المفوضية الأوروبية صرفت الأسبوع الماضي 1.5 مليار يورو لمصر، باعتبارها الشريحة الثانية من قرض بقيمة 4 مليارات يورو، عقب ما وصفته المفوضية بأنه «تقييم إيجابي يؤكد نجاح مصر في استيفاء الشروط المطلوبة» للإفراج عن التمويل. لكن وثيقة الإحاطة الداخلية التي أعدتها المفوضية لتقييم مدى التزام مصر بالشروط تقدم صورة مختلفة، إذ تتضمن انتقادات واسعة لسجل حقوق الإنسان في البلاد، بما يطرح تساؤلات حول مدى توافق صرف الشريحة مع شروط اتفاق القرض نفسه.

 

وأوضحت الوثيقة، التي حصلت عليها المنصة ووزعتها المفوضية على البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي، أن الاتفاق يشترط على مصر مواصلة «تنفيذ خطوات ملموسة وذات مصداقية نحو احترام الآليات الديمقراطية الفعالة، بما في ذلك نظام برلماني متعدد الأحزاب، وسيادة القانون، وضمان احترام حقوق الإنسان».

 

ويأتي القرض ضمن حزمة تمويل ميسر لمصر بقيمة 5 مليارات يورو، تشكل جزءًا من حزمة دعم أوسع بقيمة 7.4 مليار يورو أقرها الاتحاد الأوروبي في 17 مارس 2024 خلال القمة المصرية الأوروبية في القاهرة، في خضم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وما صاحبها من اضطراب في حركة الملاحة بالبحر الأحمر وتراجع إيرادات قناة السويس.

 

وأثار الإعلان عن صرف الشريحة الثانية إدانات من 13 منظمة حقوقية، طالبت الاتحاد الأوروبي بتفسير سبب الإفراج عن الأموال رغم ما وصفته بعدم التزام السلطات المصرية بالقواعد المنظمة لهذا الدعم المالي، واتهمت المفوضية بتجاوز قواعدها الخاصة وتوفير شريان مالي لحكومة سلطوية مسؤولة عن قمع ممنهج.

 

وجهان للمفوضية الأوروبية

 

أكدت المفوضية الأوروبية، في بيانها العلني بشأن الشريحة الثانية الذي أصدرته أواخر يوليو، أن تقييمها خلص إلى أن مصر «استوفت بنجاح الشروط المطلوبة للإفراج عن الشريحة الثانية».

 

وشملت هذه الشروط تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المتفق عليها، ومواصلة التقدم في برنامج صندوق النقد الدولي، والوفاء بالمتطلبات السياسية الواردة في مذكرة التفاهم الموقعة بين الاتحاد الأوروبي ومصر.

 

لكن الوثيقة غير المنشورة تفصل بصورة موسعة المكون السياسي والمتعلق بحقوق الإنسان، الذي غاب عن البيان العلني. وانتقدت الوثيقة استمرار التعذيب والاختفاء القسري، وسوء أوضاع الاحتجاز، وتدهور ظروف اللاجئين والمهاجرين، وحملات التفتيش الأمني التي تستهدفهم، واحتجاز الصحفيين، إلى جانب استمرار غياب تشريع يجرّم العنف ضد النساء.

 

وقالت سمر الحسيني، المديرة التنفيذية للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، للمنصة، إن هذا التناقض يكشف أن وثيقة الإحاطة تحولت إلى «مجرد إجراء بيروقراطي شكلي»، لا غرض له سوى استكمال الأوراق اللازمة لصرف شريحة قررت المفوضية الإفراج عنها منذ البداية.

 

وربطت الحسيني القرار برغبة الاتحاد الأوروبي في الحفاظ على علاقة جيدة مع مصر، خصوصًا في ظل التشريعات الأوروبية الجديدة التي تسمح بإعادة طالبي اللجوء إلى «دولة ثالثة آمنة» مروا بها في طريقهم إلى أوروبا، مشيرة إلى أن مصر قد تصبح مرشحة لهذا التصنيف.

 

وأوضحت أن ذلك يرفع أهمية العلاقة بين الطرفين، إذ لن تقتصر وظيفة مصر على منع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا، بل قد تتحول أيضًا إلى وجهة لإعادة توطينهم.

 

واتفق محمد عبد السلام، المدير التنفيذي لجمعية حرية الفكر والتعبير، مع هذا الطرح، مشيرًا إلى ما أصبحت تمثله الحكومة المصرية للاتحاد الأوروبي في عدد من الملفات الجيوسياسية، وفي مقدمتها منع الهجرة إلى أوروبا، إلى جانب تقارب المواقف بشأن الحرب في غزة، بما في ذلك رفض التهجير القسري.

 

وتواصلت المنصة مع المفوضية الأوروبية للحصول على تعليق، لكنها لم تتلق ردًا حتى موعد النشر.

 

المفوضية تصف الانتهاكات بـ«التحديات»

 

أفادت الوثيقة بأن المفوضية الأوروبية ترى أن مصر تواجه «تحديات كبيرة» في مجالات الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان، فضلًا عن ضمان المساءلة عن الانتهاكات.

 

وذكرت أن ممارسات تشمل الاحتجاز التعسفي، وسوء أوضاع الاحتجاز، وغياب الزيارات التفتيشية غير المعلنة إلى أماكن الاحتجاز، والتعذيب، والاختفاء القسري، والضغوط على المدافعين عن حقوق الإنسان، «لا تزال مستمرة».

 

وانتقدت الوثيقة كذلك تدهور أوضاع اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في مصر، في ظل «حملات اعتقال تعسفية استهدفت بصورة أساسية مواطنين سودانيين وسوريين خلال الربع الأول من عام 2026». وقدرت الوثيقة عدد اللاجئين وطالبي اللجوء الذين احتجزتهم السلطات بما يتراوح بين 5 آلاف و10 آلاف شخص.

 

وفي المقابل، نفت الحكومة المصرية مرارًا تنفيذ اعتقالات جماعية. وقالت، في خطاب أرسلته في ديسمبر إلى مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، إن حالات الاحتجاز الفردية لا تتجاوز «إجراءات احترازية مؤقتة» هدفها التحقق من هوية الأشخاص المعنيين ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر.

 

وجاء الخطاب ردًا على رسالة سابقة وجهها مقررو الأمم المتحدة الخاصون وخبراء أمميون، أشاروا فيها إلى انتشار احتجاز اللاجئين وطالبي اللجوء السودانيين، والعنف القائم على النوع الاجتماعي ضد المهاجرين واللاجئين، والذي وصل في بعض الحالات إلى الاغتصاب، فضلًا عن ترحيل لاجئين وطالبي لجوء إلى بلدانهم الأصلية وانتهاكات أخرى.

 

وأبدت وثيقة الإحاطة ترحيبًا ضمنيًا بقانون اللجوء المصري المثير للجدل، باعتباره الأول من نوعه في المنطقة، لكنها أثارت «مخاوف تتطلب اهتمامًا خاصًا» بشأن تطبيقه، وعلى رأسها غياب نص صريح يمنع الإعادة القسرية، وهي قاعدة أساسية في القانون الدولي للاجئين، إلى جانب ضرورة ضمان انتقال سلس من النظام الذي كانت تديره المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى الإطار الوطني الجديد.

 

وشملت الانتقادات كذلك ما وصفته الوثيقة بـ«المعاملة غير المتساوية» لبعض الأقليات الدينية وغير المؤمنين، فضلًا عن القيود المفروضة على المجتمع المدني وحرية التعبير وحرية الصحافة.

 

وأشارت الوثيقة إلى التماسين قدمتهما نقابة الصحفيين للمطالبة بالإفراج عن 17 صحفيًا محتجزًا، تجاوز 15 منهم بالفعل الحدود القانونية للحبس الاحتياطي، بينما يواجه اثنان آخران قضايا منفصلة.

 

وتكرر الانتقادات التي أدرجتها المفوضية تحت بند «التحديات» إلى حد كبير ما ورد في وثيقة الإحاطة المصاحبة للشريحة الأولى من القرض، والتي أثارت كذلك مخاوف بشأن استمرار أحكام الإعدام، وما تصفه منظمات حقوقية بـ«القمع العابر للحدود» الذي يستهدف المدافعين عن حقوق الإنسان في الخارج، إضافة إلى استمرار غياب تشريع يجرّم العنف ضد النساء.

 

«إنجازات» حقوقية أم إجراءات غير مكتملة؟

 

رغم الانتقادات، بالغت الوثيقة مرارًا في تقديم إجراءات حكومية محدودة باعتبارها مؤشرات على إحراز تقدم في مجال حقوق الإنسان. وشمل ذلك قانون الإجراءات الجنائية الجديد، الذي واجه انتقادات واسعة، بما في ذلك انتقادات سابقة من المفوضية نفسها في وثيقة الشريحة الأولى التي حصلت عليها المنصة في يناير.

 

ومن بين «الإنجازات» التي نسبت الوثيقة إلى السلطات المصرية انخفاض معدلات تنفيذ أحكام الإعدام. وأشارت إلى بيانات منظمة العفو الدولية التي تظهر اتجاهًا إيجابيًا بصورة عامة في تراجع معدلات الإعدام مقارنة بالمستويات المرتفعة بصورة استثنائية التي سجلتها مصر عام 2020، حين نفذت السلطات 107 أحكام إعدام.

 

لكن شريف أزر، مدير البرامج بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات وأستاذ القانون الدولي الزائر، قال للمنصة إن الانخفاض قد يبدو حقيقيًا عند مقارنته بعام 2020، حين كانت مصر من بين الدول الأعلى تنفيذًا لأحكام الإعدام عالميًا، لكن اختيار هذا العام تحديدًا يعطي صورة إيجابية مضللة.

 

وأوضح أزر أن المقارنة بعام 2023، الذي شهد تنفيذ 8 أحكام إعدام فقط، تظهر أن عامي 2024 و2025 شهدا في الواقع تراجعًا عن هذا المسار، مع ارتفاع عدد الإعدامات مجددًا.

 

وأشادت الوثيقة كذلك بالمادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد، التي تتيح للمرة الأولى إجراء التصالح مع ورثة المجني عليه في بعض قضايا القتل باعتباره سببًا قانونيًا لتخفيف العقوبة، كما دعت إلى تعليق تنفيذ أحكام الإعدام باعتباره خطوة أولى نحو وقف رسمي لتنفيذها وصولًا إلى إلغائها.

 

وتوقعت الوثيقة أن يؤدي القانون الجديد، بعد دخوله حيز التنفيذ في أكتوبر المقبل، إلى الإفراج عن المحتجزين الذين تجاوزت مدة حبسهم الاحتياطي عامين، بعدما خفض القانون الحد الأقصى للحبس الاحتياطي من عامين إلى 18 شهرًا.

 

لكن أزر أشار إلى أن القانون الجديد لا يوقف ممارسة «تدوير» المتهمين عبر إدراجهم في قضايا جديدة متعاقبة لإبقائهم رهن الاحتجاز إلى أجل غير مسمى، بما يلتف على الحد القانوني للحبس الاحتياطي.

 

ورحبت الوثيقة كذلك بالإفراج عن 3,202 محتجزين، من بينهم المدون والصحفي محمد أكسجين، والناشطان السياسيان شريف الروبي ونرمين حسين، إلى جانب رفع حظر السفر عن هدى عبد الوهاب، المديرة التنفيذية للمركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة.

 

ومع ذلك، أقرت المفوضية بأن الفترة نفسها التي شهدت عمليات الإفراج شهدت اعتقالات جديدة، واستمرار ممارسة «تدوير» المحتجزين، وفرض حظر سفر وتجميد أصول بحق بعض الأشخاص حتى بعد الإفراج عنهم.

 

وامتد مدح المفوضية إلى إجراءات لم تستكملها السلطات المصرية بعد، مثل الاستراتيجية الوطنية الجديدة لحقوق الإنسان، التي يُتوقع، وفق الوثيقة، عرضها على رئيس الانقلاب في وقت لاحق من العام الجاري، بعد انتهاء الاستراتيجية السابقة في أغسطس.

 

ورغم غياب إعلان رسمي بهذا الشأن، زعمت الوثيقة إجراء مشاورات موسعة «في مختلف أنحاء البلاد، بما في ذلك القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية وبورسعيد والمنيا»، بمشاركة ممثلين عن المجتمع المدني وخبراء مستقلين.

 

وأشارت إلى أن الاستراتيجية الجديدة يُتوقع أن تتضمن جميع التوصيات التي قبلتها مصر خلال الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان عام 2025.

 

وكانت الاستراتيجية الوطنية الأولى لحقوق الإنسان، التي أطلقتها مصر في سبتمبر 2021 برعاية رئيس الانقلاب، قد واجهت انتقادات في حينه، أبرزها من منظمة العفو الدولية، التي وصفتها بأنها تقدم «صورة مضللة بشدة» وتتجاهل بصورة كاملة أنماط الانتهاكات المستمرة أو السابقة لحقوق الإنسان، فضلًا عن تجاهل دور قوات الأمن وغيرها من أجهزة الدولة، بما في ذلك النيابة والقضاء، في إصدار أوامر بالانتهاكات أو التحريض عليها أو ارتكابها.

 

واعتبرت الوثيقة كذلك ثلاثة مشروعات قوانين للأسرة قدمتها الحكومة إلى البرلمان إنجازات، رغم عدم إقرار أي منها حتى الآن.

 

وانتقدت نيفين عبيد، المديرة التنفيذية لمؤسسة المرأة الجديدة، هذا التوصيف، قائلة للمنصة إن مشروعات قوانين الأسرة الثلاثة لم تُعلن رسميًا حتى الآن، وإن نص قانون صندوق الأسرة لم يظهر أصلًا، بينما تظل المسودتان المتداولتان لقانون الأحوال الشخصية وقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين غير رسميتين، ولا يمكن الجزم بأنهما تمثلان الصيغة النهائية.

 

وفي ظل الصياغة الفضفاضة عمدًا لاتفاق القرض، الذي لا يحدد معايير واضحة وحقيقية لقياس مدى التزام مصر بالإصلاح السياسي وإصلاحات حقوق الإنسان، تظل شرعية الإفراج عن الشريحة الثانية رغم هذه الانتهاكات مسألة حسابات سياسية في المقام الأول، يخضع تقديرها في النهاية لكل طرف.

 

فبوسع الجهة المقرضة دائمًا تشديد شروطها عندما يقاوم المقترض إرادتها، كما تستطيع تخفيف تلك الشروط في لحظات أخرى، خصوصًا عندما تشعر بتهديد مصدره عشرات الآلاف من المهاجرين الفقراء الذين يطرقون أبوابها.

 

وفي مثل هذه اللحظات، تتراجع قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان بسهولة إلى مؤخرة قائمة الأولويات.


https://almanassa.com/en/stories/33265